«إمبراطورية العنف: تاريخ جديد للإبادة الجماعية للأرمن»
في يناير 2027، تصدر عن مطبعة جامعة برينستون، إحدى أبرز دور النشر الأكاديمية في الولايات المتحدة، دراسة جديدة للمؤرخ التركي تانر أكجام، ثمرة أكثر من 35 عامًا من البحث في تاريخ الإبادة الجماعية للأرمن.
أكجام بدأ العمل على هذا الملف عام 1991، ويقول إنه جمع في هذا الكتاب خلاصة ما تعلمه خلال أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الكتب والمقالات والمؤتمرات والبحث في المصادر، إلى جانب الاستفادة من أعمال جيل جديد من الباحثين والنتائج الجديدة التي أضافوها إلى هذا المجال.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في عدد سنوات البحث، بل في محاولة إعادة بناء الرواية التاريخية نفسها.
فبدل التعامل مع الإبادة الجماعية للأرمن باعتبارها حدثًا منفصلًا ومحصورًا في عام 1915، يحاول الكتاب وضعها ضمن مسار تاريخي أوسع من العنف امتد لعقود، يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر ويمتد إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالعهد الحميدي، ومجازر تسعينيات القرن التاسع عشر، ومجازر أضنة عام 1909، والسنوات 1914–1918، وما تلاها، كما يضع التجربة الأرمنية ضمن سياق أوسع شمل أيضًا الآشوريين واليونانيين في أواخر الإمبراطورية العثمانية.
ومن أهم الأسئلة التي يطرحها الكتاب:
هل ينبغي أن تبدأ رواية الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 فقط، أم أن فهم ما حدث يقتضي العودة إلى عام 1914 وربط أحداث الحرب بمسار تاريخي أوسع؟ هذه ليست مجرد مسألة سنة في التقويم، بل سؤال يتعلق بكيفية فهم العلاقة بين العنف الذي سبق الحرب العالمية الأولى وبين عملية الإبادة التي جرت خلالها.
ومن بين الأمثلة الأخرى التي يطرحها أكجام: العلاقة بين حادثة 31 مارس ومجازر أضنة عام 1909، وكيف يمكن فهم هذه الأحداث ضمن تطور أوسع في أنماط العنف والتطرف داخل الإمبراطورية العثمانية.
ويقدم الكتاب، بحسب وصف الناشر، أدلة جديدة أو قليلة التداول حول هذه المراحل، ويحاول تفسير كيفية انتقال ممارسات العنف من الأطراف إلى قرارات جرى تنسيقها مركزيًا.
وفي الوقت نفسه، لا يقدم الكتاب العملية الإبادية باعتبارها مجرد قرار صادر من أعلى إلى أسفل؛ إذ يناقش أيضًا دور المشاركة الجماهيرية من أتراك وأكراد وشركس، إلى جانب دور السلطة المركزية.
ويربط أكجام ذلك بضعف الدولة العثمانية وبالتجارب المتراكمة خلال القرن التاسع عشر، والتي ساهمت، وفق أطروحته، في نشوء ثقافة سياسية جعلت العنف واسع النطاق أكثر قابلية للتطبيع.
والأهم…
لا يتوقف الكتاب عند الأحداث نفسها، بل يبحث أيضًا في ثقافة الإنكار التي أحاطت بالإبادة الجماعية للأرمن، وفي انعكاساتها على تركيا المعاصرة، وعلى قضايا الذاكرة والعدالة والاعتراف.
ويصف أكجام عمله بأنه محاولة لتقديم:
«تاريخ جديد للإبادة الجماعية للأرمن».
واللافت أيضًا أن هذا سيكون، بحسب أكجام، كتابه الثاني الصادر عن مطبعة جامعة برينستون، وهو ما يجعله، وفق ما يذكر، أول باحث من تركيا ينشر كتابين لدى هذه المؤسسة الأكاديمية العريقة.
بعد أكثر من قرن على أحداث 1915، يستمر البحث التاريخي في طرح الأسئلة، واكتشاف المصادر، وإعادة قراءة العلاقة بين الأحداث التي سبقت الإبادة وتلك التي وقعت خلالها وبعدها.
فالتاريخ لا يتغير، لكن قدرتنا على فهمه تتغير كلما ظهرت مصادر جديدة، وطرحت أسئلة جديدة، وأعيدت قراءة الأدلة بصرامة أكبر.
