يسلّط التباين بين قرارات منظمة التعاون الإسلامي الصادرة خلال دورتها الثانية والخمسين المنعقدة في بغداد، والواقع الميداني في جنوب القوقاز، الضوء على تعقيدات النزاع التاريخي بين أذربيجان وأرمينيا. ففي الوقت الذي تبنّت فيه المنظمة موقفاً داعماً لباكو، من خلال مطالبة يريفان بإزالة العقبات السياسية والقانونية التي تحول دون توقيع اتفاق السلام، لم تتناول قراراتها الانتهاكات الميدانية بالقدر نفسه من الاهتمام.
في المقابل، تكشف المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية عن صورة أكثر تعقيداً، إذ تواجه أذربيجان اتهامات متزايدة بطمس التراث الثقافي والديني الأرمني في إقليم ناغورني قره باغ، من خلال تدمير المعالم التاريخية للكنائس والأديرة والمقابر الأثرية، أو تغيير معالمها وهويتها، وهي مواقع يعود بعضها إلى قرون مضت. وتثير هذه الممارسات مخاوف جدية بشأن مدى الالتزام بالمواثيق الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي والإنساني.
وعلى الصعيدين الإنساني والسياسي، لا يزال ملف الأسرى والمعتقلين الأرمن، بمن فيهم قيادات سياسية وسكان مدنيون احتُجزوا خلال العملية العسكرية التي نُفّذت عام 2023 أو في أعقابها، يشكّل مصدر قلق بالغ. وتثير ظروف احتجازهم، إلى جانب المخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة، تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالضمانات القانونية المنصوص عليها في القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف حيثما تنطبق أحكامها.
ويضاف إلى ذلك استمرار التوترات الحدودية، في ظل تقارير عن توغلات وخروقات أذربيجانية داخل الأراضي الخاضعة لسيادة أرمينيا، ومحاولات لفرض أمر واقع خلال مفاوضات ترسيم الحدود. كما يبرز الخلاف بشأن التعديلات الدستورية في أرمينيا، إذ تشترط باكو إجراء تغييرات دستورية تعتبرها ضرورية للمضي نحو إبرام اتفاق السلام النهائي.
إن تجاهل هذه القضايا في قرارات المنظمة لا يهمّش الأبعاد الإنسانية والحقوقية للنزاع فحسب، بل يثير أيضاً تساؤلات بشأن اتساق مواقفها مع مبادئ العدالة والموضوعية، ويعزّز الانتقادات الموجّهة إلى ازدواجية المعايير في التعاطي مع النزاعات الإقليمية، بما قد يضعف فرص التوصل إلى سلام عادل ومستدام بين الطرفين.

