من قلب وزارة الخارجية المصرية… حين يصبح التاريخ الأرمني جزءًا من ذاكرة الدولة المصرية
في 17 سبتمبر 2026، قام ممثلون عن عدد من المنظمات والمؤسسات الأرمنية في مصر بزيارة وزارة الخارجية المصرية، في إطار استقبال الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، لعدد من رموز المصريين من أصول أرمينية، تقديرًا لإسهاماتهم الممتدة في مسيرة بناء الدولة المصرية.
وخلال الزيارة، أُتيحت فرصة مميزة للاطلاع على معرض توثيقي أقامته الوزارة حول دور المصريين الأرمن في تاريخ مصر الحديثة؛ معرض لا يقدم تاريخ الجالية الأرمنية من منظورها الخاص فحسب، بل يستعيده من خلال صور ووثائق ومقتنيات مرتبطة مباشرة بمؤسسات الدولة وشخصيات أرمنية أسهمت في مسيرة مصر الحديثة.
وتكتسب هذه الزيارة دلالة خاصة مع مرور 200 عام على بداية العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية عام 1826، عندما أنشأ محمد علي باشا ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، وأسند إدارته إلى بوغوص بك يوسفيان، والذي أصبح النواة الأولى للعمل الخارجي المنظم في مصر.
يبرز المعرض بوغوص بك يوسفيان باعتباره اول وزير خارجية لمصر و أحد أبرز الشخصيات الأرمنية في تاريخ الإدارة المصرية الحديثة. فقد تولى عام 1826 إدارة ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، الذي تطور لاحقًا إلى مؤسسة الشؤون الخارجية المصرية، و قد اهدت الجمعية الخيرية الارمنية تمثال نصفي لبوغوص بك يوسفيان لعرضه في متحف الخارجية المصرية و هو من عمل الفنان و النحات المصري الارمني المعروف سركيس طوسونيان .
ومن بعده، يوثق المعرض أسماء أرمنية تولت مواقع بارزة في إدارة الشؤون الخارجية، من بينها أرتين بك تشراكيان، واستيفان بك ديمرجيان، ونوبار باشا نوباريان، وتيغران دابرو باشا.
أما نوبار باشا، فقد تجاوز دوره المجال الدبلوماسي، إذ أصبح عام 1878 أول رئيس لمجلس النظار عند تشكيل أول مجلس وزراء مصري، إلى جانب توليه نظارة الخارجية.
ومن أكثر ما يلفت النظر في المعرض أنه لا يكتفي بعرض الأسماء، بل يقدم وثائق ومقتنيات تمنح هذه الصفحات التاريخية بعدها المادي والإنساني، من بينها صورة بوغوص بك يوسفيان، وتوقيع تيغران دابرو باشا على اتفاق تجاري وملاحي بين مصر وإيطاليا عام 1892، ووثائق وأختام الجمعية الخيرية الأرمنية العامة في القاهرة، وبراءة اختراع باسم بوغوص نوبار في باريس عام 1898، إلى جانب مراسلات ووثائق مرتبطة بنوبار باشا ومذكراته.
ومن بين الكنوز التي احتفى بها المعرض، كان اعطاء مكان بارز من أعمال فنان الكاريكاتير الأرمني المصري الشهير ألكسندر صاروخان، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الصحافة والكاريكاتير في مصر. فلم يكن صاروخان مجرد فنان يرسم الكاريكاتير، بل كان شاهدًا بصريًا على عصره؛ عبّر بريشته عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر والعالم، وجعل من الكاريكاتير وسيلة للتعبير والنقد وتوثيق الحياة العامة. تم إهداء الاعمال من قبل عائلة الفنان و حفيدته السيدة سيلفا بلاديان.
وفي هذا السياق، صرح د. أرمين مظلويان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمنية في مصر، عن خصوصية التجربة المصرية الأرمنية، مؤكدًا أن الوجود الأرمني في مصر ليس مجرد فصل من تاريخ جالية، وإنما هو جزء من تاريخ مصر الحديثة ومسيرتها الوطنية.
وقال إن هذه التجربة قامت على الاحترام المتبادل والمواطنة والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن؛ فقد استطاع الأرمن الحفاظ على لغتهم وكنائسهم ومدارسهم ومؤسساتهم الثقافية، وفي الوقت نفسه أن يكونوا مصريين كاملين، يشاركون في بناء الدولة ونهضتها.
وأكد مظلوميان أن «المواطنة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانفصال عن الوطن»، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية الأرمنية قدمت نموذجًا يجمع بين الاعتزاز بالجذور والوفاء للوطن، وبين الحفاظ على الخصوصية الثقافية والمشاركة الكاملة في المجتمع المصري. وأضاف أن رؤية هذا التاريخ موثقًا داخل وزارة الخارجية المصرية و اطلاق بريد مصري تذكاري بهذه المناسبة حاملاً صورة بوغوص بك يوسفيان تحمل دلالة خاصة، لأن مساهمة شخصيات مثل بوغوص بك يوسفيان ونوبار باشا وأرتين تشركيان واستيفان ديمرجيان وتيغران دابرو باشا أصبحت جزءًا من الذاكرة المؤسسية للدولة المصرية.
تهنئة من أرمن مصر… وشكر وتقدير
و في كلمته تقدم المطران كريكور اغوسطينوس كوسا اسقف الأرمن الكاثوليك في مصر بخالص التهنئة إلى وزارة الخارجية المصرية بمناسبة مرور مئتي عام على تأسيس العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية عام 1826، متمنيا للوزارة والقائمين عليها دوام النجاح في أداء رسالتها الوطنية والدبلوماسية، وخدمة مصر ومصالحها وتعزيز علاقاتها مع مختلف دول العالم.
و في نهاية الجولة اهدي رئيس الجمعية الخيرية الارمنية د جورج سيمونيان درع الجمعية الي معالي الوزير الدكتور بدر عبد العاطي.
بهذه المناسبة الفريدة، يتوجه أرمن مصر بخالص الشكر والتقدير إلى الدولة المصرية بكل مؤسساتها و الي الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، على حفاوة الاستقبال والضيافة الكريمة، وعلى ما أبداه من تقدير واهتمام بتاريخ وإسهامات المصريين من أصول أرمينية. ايضا شكر خاص للسفير ناجي غابة، ولجميع المسؤولين والعاملين بوزارة الخارجية الذين ساهموا في إنجاح هذا المعرض وإخراجه بهذه الصورة، خاصة في جمع وتوثيق المادة التاريخية المعروضة بالتعاون مع الجمعية الخيرية الأرمنية في مصر و جهد مشكور قام به رءيس الجمعية في مصر د جورج سيمونيان، بما أتاح تقديم جانب مهم من الذاكرة المصرية الأرمنية داخل مؤسسة الدولة.
إن هذا المعرض، بما يحمله من وثائق وصور وأسماء، يمثل أكثر من استعادة للماضي؛ إنه تأكيد على أن صفحات من تاريخ الأرمن في مصر أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية الموثقة.
مصر احتضنت الأرمن، والأرمن شاركوا في بناء مصر.
تاريخ مشترك… مواطنة… احترام متبادل… وذاكرة تستحق أن تبقى حية.
تحيا مصر …
و قد مثل الوفد الارمني، المطران كريكور اوغوسطينوس كوسا اسقف الأرمن الكاثوليك في مصر، رءيس مجلس الإدارة لبطريركية الأرمن الأورثوذكس فاهي بلاديان، د. جورج سيمونيان رءيس الجمعية الخيرية الارمنية، د ارمين مظلوميان رءيس الهيئة الوطنية الارمنية، شانت جابيان رءيس جمعية الثقافة الارمنية هوسابير، الفنان النحات سركيس طوسونيان، حفيدة الفنان صاروخان السيدة سيلفا بلاديان، ممثلي الارمن الكاثوليك كريس ميكايليان و كارل ابراهاميان ، رئيسة نادي جوجانيان الثقافي لالا شاماميان، و رءيس نادي هومنتمن نوبار الرياضي هراير درتاديان.

