تتعدى الاستعراضات الأذربيجانية الأخيرة في دير “غاندزاسار” التاريخي مجرد كونها مناورة سياحية أو دبلوماسية عابرة، لتكشف عن استراتيجية ممنهجة ومحسوبة تهدف إلى تفكيك الرواية التاريخية الأرمنية وإحلال رواية أيديولوجية بديلة تُجرّد ناغورني قره باغ (أرتساخ) من هويتها الأصيلة. إن قيام حكمت حاجييف، مستشار الرئيس الأذربيجاني، بدعوة دبلوماسيين أجانب وبحضور مبعوثة الاتحاد الأوروبي ماغدالينا غرونو، وعرض مجسمات مفرغة للمخطوطات الأرمنية للترويج لادعاءات تنفي أرمنية الدير وتنسبه إلى ألبانيا القوقازية، يمثل ذروة ما يمكن وصفه بـ “التطهير الثقافي والرمزي”. فهذا السلوك لا يستهدف تحريف التاريخ الديني والفني للمنطقة فحسب، بل يسعى إلى شرعنة نتائج الاقتلاع القسري والتهجير الجماعي للسكان الأرمن من أرض أجدادهم، عبر تصوير وجودهم التاريخي وكأنه ادعاء مفتعل أو طارئ، مستغلاً في ذلك حالة الصمت السياسي الدولي والتوازنات الجيوسياسية الهشة.
ورداً على هذا الاستعراض، أوضح وزير الثقافة السابق في حكومة أرتساخ، ليرنيك هوفهانيسيان، أن تصرف حاجييف يمثل تضليلاً ومناورة كاذبة، مؤكداً أن المخطوطات والكتب الأثرية الأصلية التابعة للمعيار الديني والثقافي لدير غاندزاسار قد تم إنقاذها ونقلها بأمان إلى معهد “ماتيناداران” في يريفان خلال حرب الـ 44 يوماً عام 2020 لحمايتها من القصف والتدمير، وأن ما بقي في قاعات العرض ليس سوى نماذج ومجسمات مفرغة، وهو أمر كان يعلمه الدبلوماسيون المشاركون جيداً. وفي محاولة لاحتواء التوتر الدبلوماسي، قام نائب وزير الخارجية الأرمني فاغان كوستانيان باصطحاب المبعوثة الأوروبية ماغدالينا غرونو في زيارة إلى معهد “ماتيناداران” للمخطوطات القديمة في يريفان لإطلاعها على المخطوطات الأصلية لدير غاندزاسار والتي يعود أقدمها لعام 909 ميلادي، حيث أكد مدير المعهد آرا خزماليان استعداد المؤسسة لعرض هذه الأصول التاريخية أمام أي دبلوماسي يراوده الشك في أصالتها، بينما صرحت غرونو لاحقاً بأنها لا تشكك في الوجود الأرمني التاريخي والتراث الغني بالمنطقة.
على الصعيد السياسي الداخلي، أثارت هذه الواقعة انقساماً حاداً وانتقادات واسعة؛ حيث واجهت حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان اتهامات بالصمت والتقاعس عن الرد الرسمي المباشر على ادعاءات باكو، في ظل نهجها الحالي الذي يركز على تقديم التنازلات لتسريع توقيع معاهدة السلام. وفي حين شهد البرلمان الأرمني مواجهات كلامية وطالبت المعارضة بموقف صريح يعلن أرمنية غاندزاسار، اكتفت الرئاسة البرلمانية بوصف ادعاءات حاجييف بأنها لا أساس لها وغير مفيدة مع التأكيد على ضرورة التعامل بحذر مع مسار السلام. تعكس هذه التطورات عمق الحرب الثقافية والتاريخية المحتدمة بالمنطقة، حيث تسعى أذربيجان لاستغلال فرض سيطرتها الميدانية لتكريس رواية جديدة تمحو الأثر الأرمني، في حين تجد يريفان نفسها محاصرة بين مقتضيات السلام والضغوط الشعبية الداعية للحفاظ على الهوية والذاكرة التاريخية.
وفي هذا السياق، برز موقف الهيئة الوطنية الأرمنية – الشرق الأوسط التي أصدرت إدانة قاطعة لهذه الممارسات، واضعةً الواقعة في إطارها الصحيح كحلقة جديدة ضمن مسلسل محو التراث المسيحي الأرمني وتزوير التاريخ الأثري الممنهج في أرتساخ. ووجّهت الهيئة انتقادات حادة ومباشرة لسلوك بعض الدبلوماسيين الغربيين وممثلي المؤسسات الدولية، وفي مقدمتهم مبعوثة الاتحاد الأوروبي، مشيرةً إلى أن المشاركة في هذا الاستعراض توفر غطاءً سياسياً لباكو للاستمرار في انتهاك المقررات الدولية، ومؤكدةً أن السلام الإقليمي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر التغاضي عن تصفية الحقوق التاريخية والثقافية للشعب الأرمني.

