تُعتبر محافظة سيونيك—الواقعة في أقصى جنوب أرمينيا—واحدة من أكثر النقاط الجيوسياسية حرجاً وأهمية في أوراسيا. تمنح هذه المحافظة الجبلية، التي تمتد على طول حدود ضيقة تبلغ 40 كيلومتراً مع إيران، أرمينيا منفذها البري الوحيد غير الخاضع للنفوذ التركي، بينما توفر لإيران طريقاً مباشراً ودون عوائق نحو البحر الأسود والأسواق الأوراسية. وعلى خلفية حربَي ناغورنو كاراباخ في عامي 2020 و2023، كثّفت باكو وأنقرة ضغوطهما لإنشاء ممر ترانزيت خارج عن السيادة الأرمينية—ما يُعرف بـ “ممر زانغيزور”—لربط البر الرئيسي لأذربيجان بجيب ناخيتشيفان عبر سيونيك، ودون الخضوع للرقابة الجمركية أو الحدودية الأرمينية. ورداً على ذلك، شكلت يريفان وطهران جبهة دبلوماسية وأمنية موحدة، رافضتين أي مخطط للممرات خارجة عن القانون الدولي، ومصرّتين على أن جميع مسارات الترانزيت يجب أن تخضع بالكامل للسيادة الأرمينية والأطر التنظيمية الوطنية.
تُوِّج هذا التوافق بإضفاء الطابع الرسمي على الشراكة من خلال “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين أرمينيا وإيران. وقد أكدت القيادة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية، مراراً وتكراراً أن أي تغيير في الحدود الدولية أو محاولة لقطع الحدود الأرمينية–الإيرانية يمثل خطاً أحمراً مباشراً وسبباً محتملاً للحرب (casus belli) بالنسبة لطهران. فبالنسبة لإيران، يُعد الحفاظ على حدود مفتوحة مع أرمينيا أمراً حيوياً لمنع تطويقها جيوسياسياً بشبكات ترانزيت طورانية، ولضمان استمرار طرق التجارة الشمالية. ومن خلال إضفاء الصبغة الرسمية على هذا التحالف الاستراتيجي، تعمل طهران كمركاز إقليمي قوي وآلية ردع ضد أي توغل عسكري محتمل على الحدود الجنوبية لأرمينيا.
وبعيداً عن التصريحات الدبلوماسية، تحظى هذه الشراكة بدعم من استثمارات ضخمة في البنية التحتية بمليارات الدولارات لتعزيز محور التجارة بين الشمال والجنوب. وتنفذ تحالفات الشركات الإيرانية حالياً مشروعاً بقيمة 215 مليون دولار لتحديث طريق “أغاراك–كاجاران” الممتد على طول 32 كيلومتراً، والذي يتضمن إنشاء 17 جسراً و5 تقاطعات ونفقين جديدين. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على مشروع بقيمة 395 مليون دولار لبناء نفق “كاجاران” بطول 7.2 كيلومتر عبر جبال زانغيزور، بهدف تجاوز ممر “ميغري” الجبلي الوعر الذي يرتفع 2,535 متراً عن سطح البحر. ومن المتوقع أن ترفع هذه المشاريع الهندسية سعة شحن البضائع الثقيلة بين إيران وأرمينيا وجورجيا بأكثر من 100%، مما يقلل بشكل كبير من زمن السفر ويحد من الهشاشة الاقتصادية لأرمينيا أمام أي حصار إقليمي.
وفي الوقت ذاته، تدمج أرمينيا هذا الموقف الإقليمي ضمن استراتيجية دبلوماسية متوازنة ومتعددة الاتجاهات. فبينما تتواصل يريفان مع واشنطن في إطار مشروع “مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي” (TRIPP)—حيث أعادت وزارة الخارجية الأمريكية التأكيد بوضوح على أن مراقبة الحدود والجمارك على طرق الترانزيت ستظل حصرياً تحت السيادة الأرمينية—تستفيد أرمينيا أيضاً من تمويلات الاتحاد الأوروبي التي تتجاوز 200 مليون يورو عبر مبادرة “سيونيك الصامدة”. ومن خلال الجمع بين الدعم القانوني والمالي الغربي والردع الإقليمي الإيراني، تنجح أرمينيا في إرساء بيئة أمنية بديلة تحمي سلامتها الإقليمية، وتجبر باكو وأنقرة على حساب التكاليف العسكرية والدبلوماسية الباهظة قبل الإقدام على أي تحرك أحادي الجانب.
